أزمة النظام الرأسمالي العالمي

الأزمة المالية المندلعة منذ فترة في الولايات المتحدة الأميركية ،وفي بقية دول العالم ، لها مظاهرها وأبعادها وتداعياتها. وهي تتسع وتتعمق أكثر فأكثر يوماً بعد يوم ، كما تنذر بالتحول إلى أزمة اقتصادية شاملة في النظام الرأسمالي العالمي، بل إلى أزمة لهذا النظام . فما هي مظاهر هذه الأزمة وتداعياتها المحتملة على لبنان ؟ وما هي خلفياتها ونتائجها المتوقعة ؟

أولاً : مظاهر الأزمة
ابتدأت الأزمة الحالية سنة 2007 في القطاع العقاري في الولايات المتحدة الاميركية. وقد تمثلت في عجز ملايين المقترضين لشراء منازل عن سداد أقساط الديون المترتبة عليهم للمصارف. فعمدت هذه المصارف إلى وضع اليد على ما يقرب من مليوني منزل وطرحها للبيع ،مما أدى إلى انهيار سوق العقارات بعد أن كانت المضاربات العقارية قد ساهمت في وقت سابق في رفع أسعار العقارات بشكل هائل . نتج عن ذلك خسائر فادحة أصابت مؤسسات مالية ومصرفية ، تجلّت خلال سنة 2008 في انهيار أسعار الأسهم والأدوات المالية في البورصة، ،وفي موجة واسعة من الإفلاسات . فقررت الحكومة الأميركية التدخل لتجنيب مؤسسات مالية ومصرفية الإفلاس،في حين أنها لم تحرك ساكناً لحماية المواطنين عندما لجأت هذه المؤسسات إلى وضع اليد على منازل مليوني مواطن .

لا تنحصر ظاهرة انهيار البورصات والإفلاسات في الولايات المتحدة ،بل تشمل معظم دول العالم، نظراً للعولمة المالية والاقتصادية، والموقع المهيمن الذي تحتله الولايات المتحدة في هذا المجال . فلم تسلم من هذه الظاهرة الأسواق المالية في أوروبا ،وأسيا ،وروسيا ،والخليج العربي ،ولا سواها من الأسواق. ومن المتوقع أن ينتج عن الأزمة المالية أزمة اقتصادية عالمية شاملة تؤدي إلى تعميم الكساد وانتشارالبطالة.

ثانياً : التداعيات المحتملة للأزمة على لبنان
يكرر كل من المصرف المركزي، والحكومة اللبنانية، وجمعية المصارف، القول إن الوضع المالي والمصرفي في لبنان سليم ،وإنه بمنأى عن تداعيات الأزمة . ويرجع ذلك حسب قولهم إلى كون المصارف اللبنانية لم تتورط في السوق المالي العالمي ، نظراً لأن معظم توظيفاتها تنحصر في سندات الخزينة اللبنانية .

غير أن القول المذكور يتعارض مع ما بدأنا نشهده من تراجع ملحوظ في أسعار الأسهم في بورصة بيروت. أضف إلى ذلك الانهيارات التي تشهدها الأسواق المالية في دول الخليج العربي ،الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع المشاريع الاستثمارية في تلك البلدان ، وخسارة العاملين اللبنانيين فيها وظائفهم ، وخسارة الاقتصاد اللبناني بالتالي التحويلات المرسلة إلى لبنان من قبلهم .

ولا يخفى أن الاقتصاد اللبناني شديد التأثر بأي أزمة إقليمية أو عالمية ، نظراً لهيمنة القطاع المصرفي عليه، وهامشية قطاعات الانتاج الحقيقي ،مثل الصناعة والزراعة . لذلك من المتوقع أن يكون للأزمة الحالية تداعيات سلبية على الأوضاع المالية والاقتصادية في لبنان .

ثالثاً : خلفيات الأزمة
للأزمة الحالية خلفيتان أساسيتان . فهي من جهة أولى أزمة بنيوية مرتبطة بطبيعة النظام الرأسمالي. وهي من جهة ثانية على صلة بالتوجهات الليبرالية الجديدة، والسياسات التي أرسى دعائمها المحافظون الجدد انطلاقاً من الولايات المتحدة.
أ-الأزمة البنوية للرأسمالية
يحتوي النظام الرأسمالي العالمي على مجموعة من التناقضات التي لا قدرة له على حلـّها . نذكر من هذه التناقضات ما يأتي :

1- التناقض بين العمل والرأسمال ، أي التناقض بين جماهير العاملين وحفنة الرأسماليين ، وبين طابع العمل الجماعي والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

2- التناقض بين شعوب العالم المضطهدة والمستغلة من جهة أولى ، والاحتكارات العالمية والدول الإمبريالية من جهة ثانية.

3- التناقض بين محدودية الموارد على كوكب الأرض وسلامة البيئة من ناحية ، وميل الرأسمالية إلى مضاعفة أرباحها من خلال التوسع الدائم في الإنتاج ، ولو على حساب استنزاف الموارد الطبيعية وتخريب البيئة.


تعبّر هذه التناقضات عن ذاتها في الأزمات الدورية التي يتعرض لها النظام الرأسمالي ، ومن بينها أزمة سنة 1929، والأزمة الحالية . ويلجأ هذا النظام إلى الهروب من أزماته من خلال استخدام عدة وسائل، من بينها المعالجات الحكومية واستخدام المال العام لإنقاذ الشركات المفلسة ، وشن الحروب العدوانية والتوسعية بهدف الاستحواذ على الأسواق والموارد والثروات الطبيعية . هكذا جاءت الحرب العالمية الثانية بعد أزمات الكساد والبطالة التي ابتدأت سنة 1929 في الولايات المتحدة . وهكذا شنت الولايات المتحدة الحرب على العراق بهدف السيطرة على ثروته النفطية.

ب - سياسات المحافظين الجدد
مع استلام "رونالد ريغان " السلطة في الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن العشرين ، ابتدأ المحافظون الجدد بالسيطرة على الحكم فيها . وقد تعززت سيطرتهم فيما بعد ، لا سيما بعد أحداث 11 أيلول2001 في بداية عهد "جورج بوش" الإبن . ولقد عمد المحافظون الجدد إلى تنفيذ سياسات تتمحور حول عدد من المحاور الأساسية ، من بينها المحاور الآتية :

1- إطلاق العنان للأسواق المالية العالمية المنفلتة من أي رقابة حكومية ، وإرغام دول العالم على إلغاء الحواجز الجمركية ،وإنهاء الحماية للإنتاج الوطني ، وهو ما عُرف بالعولمة الاقتصادية . يضاف إلى ذلك تهميش دور الدول على صعيد الرعاية الاجتماعية للمواطنين .

يشار بهذا الخصوص إلى أن المؤسسات المالية الدولية ،مثل البنك الدولي وسواه ، فضلاً عن حكومات عديدة في العالم ، من بينها الحكومة اللبنانية ، قد تبنّت هذه السياسات . من هنا عمدت الحكومة اللبنانية إلى تخفيض الرسوم الجمركية والاستعاضة عنها بالضريبة على القيمة المضافة. كما عمدت إلى تخفيض الإنفاق على الصحة والتعليم ،وطرحت خصخصة قطاعات متعددة مثل الكهرباء ،والهاتف ،ومصالح المياه ،وسوى ذلك.

2- العمل على تكريس أميركا قطباً وحيداً في العالم ، والسعي إلى تعزيز الإمبراطورية الأميركية من خلال اتباع سياسة الهيمنة ، وشن الحروب الهادفة إلى السيطرة على الموارد والثروات الطبيعية .

3- محاولة فرض الثقافة والقيّم الرأسمالية الأميركية على العالم ، لا سيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية ، على اعتبار أن الرأسمالية تشكل نهاية التاريخ . يضاف إلى ذلك العمل على إثارة الصراعات والحروب الأهلية والعرقية والطائفية ، وشن الحرب على حركات التحرر الوطني باعتبارها حركات إرهابية . وذلك انطلاقاً من مقولة حلول الصراع بين الحضارات مكان النضال الوطني والنضال الاجتماعي.


رابعاً النتائج المتوقعة للأزمة
يحاول بعض المنظرين المرتبطين بالمحافظين الجديد تمويه حقيقة الأزمة بالقول إنها ناجمة عن أخطاء تقنية ، أو عن جشع بعض الأفراد من مديري المؤسسات المالية. غير أن غالبية المحللين يذهبون إلى القول إن الأزمة أعمق من ذلك بكثير، وإن ما ظهر منها حتى الآن ليس سوى الجزء اليسير، في حين إن ما لم يظهربعد هو الأعظم. ويستخلص هؤلاء أن نتائج الأزمة سوف تكون عميقة الأثر. ومن أبرز النتائج المتوقعة ما يأتي :

أ‌- سقوط مقولة الاقتصاد الحر حرية مطلقة، والأسواق المالية المنفلتة من أي رقابة ، لمصلحة التدخل الحكومي في الشأن الاقتصادي وفي الشأن الاجتماعي أيضاً .

ب‌- سقوط النظام العالمي ذي القطب الواحد الذي تمثله الولايات المتحدة لمصلحة نظام عالمي جديد يشتمل على عدة أقطاب،منها :أوروبا ،والصين ،وروسيا ،... .


ج- تراجع سياسة الحروب الاستباقية ، والهيمنة العسكرية الأميركية ، بعد الهزائم التي مُنيت بها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان ، وبعد الهزائم التي مُنيت بها أيضاً ربيبتها إسرائيل في حروبها ضد المقاومة في لبنان وفلسطين .

الخلاصة
إن التأزم في النظام الرأسمالي العالمي ، والهزائم التي لحقت بالإمبريالية الأميركية وأدواتها ، يعطيان للقوى التقدمية في العالم الفرصة لمغادرة حالة الإحباط والانكفاء، والمبادرة إلى إعادة صياغة توجهاتها وبرامجها وتنظيم صفوفها،تمهيداً للانطلاق مجدداً. فلقد تبيّن بالملوس أن الرأسمالية ليست نهاية التاريخ ، وأن الإمبريالية الأميركية ليست مطلقة القدرة . على العكس من ذلك إن مسيرة التاريخ لا تتوقف، كما لا يتوقف سعي البشرية من أجل التحرر وبناء أنظمة أكثر عدالة وإنسانية.